في صباح يوم عمل شاق، وبينما كان أهالي القاهرة يتأملون شموخ أحدث بناء في مدينتهم، وقعت كارثة كبيرة لم تكن في الحسبان.
دوي انفجار هائل هز أركان حي القلعة، وغطى الغبار السماء، وتعالت الصرخات من تحت الأنقاض، بعد سقوط المأذنة الثالثة لجامع السلطان حسن فوق "مكتب الأيتام" ووقوع مئات الضحايا.
لم يكن سقوط المأذنة مجرد حادث معماري، بل أصبح "نذير شؤم، في أذهان المصريين، يهمس لهم بنهاية صاحب البناء " السلطان حسن".

مقتل السلطان
ولأن "القدر موكل بالقول"، فلم يكتف "نذير الشؤم" بالمكوث في الأذهان، بل خرج للواقع، بعد 33 يوما من سقوط المأذنة، حيث قتل السلطان حسن، واختفي جثمانه للأبد، أما ضريحه الفاخر الذي كان جزءا من المسجد بقي فارغا حتى يومنا هذا، وشاهدا على مفارقات التاريخ.

الهرم الرابع
وفي جيب كل مواطن، تسكن قطعة فنية مطبوعة، على ورقة الـ100 جنيه، لكن القليل من يدرك أنها ليست مجرد صورة، وأنها توثيق لأحد أعظم المباني في العمارة الإسلامية، مسجد ومدرسة "السلطان حسن".
لم تمنع مأساة سقوط المأذنة، أن يصبح هذا البناء المعماري "فخر العمارة الإسلامية" وأيقونة العصر المملوكي، والآن يطلق عليه لقب "الهرم الرابع".

بوابة التاريخ
بني السلطان حسن بن محمد بن قلاوون، المسجد، ليكون مدينة جامعية يدرس فيها الطلاب المذاهب الأربعة، حيث خصص لكل مذهب زاوية "إيوان"، ومدارس ملحقة به، ليكون منارة للعلم قبل أن يكون مسجدا.
بدأ البناء عام 1356 ميلادي، واستمر عدة سنوات، أنفق فيها السلطان حسن مبالغ هائلة، لدرجة أنه قال "لولا أني خشيت أن يقال ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه، لتركت بناء هذا المسجد من كثرة ما استنزفه من أموال ومهندسين.

تحفة هندسية
اجتمعت في المسجد كل فنون العصر المملوكي، حيث ضم 4 إيوانات "قاعات واسعة"، لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة فكان رمزا للوسطية والتنوع الفكري، كما ضم أعلى مأذنة في القاهرة التاريخية، والتي صمدت لقرون رغم الزلازل والحروب، كما صمم بطريقة تجعل الصوت يصل لآخر صفوف المصلين بدون مكبرات صوتية.
وتعتبر قبة المسجد من أجمل المحاريب في العالم، حيث يزينها رخام ملون ونقوش كوفية بالذهبأ، أما مآذنه فكانت ناطحات سحاب هذا العصر، حيث وصل ارتفاعها إلى 68 مترا، مما جعلها بوصلة للمسافرين القادمين للقاهرة.
وبسبب ضخامة المسجد وقربه من القلعة، فكان المتمردون يستخدمون سطحه لضرب القلعة بالمدافع، مما اضطر بعض السلاطين فيما بعد لهدم الدرجج المؤدي للسطح لمنع استخدامه عسكريا.

الجندي المجهول
ولفترة طويلة، ظل اسم المهندس المشرف على بناء المسجد مجهولا، حتى كشفت النقوش التاريخية عن اسمه، محمد بن بليك المحسني، والذي لم يكن مجرد بناء، بل كان فنانا سبق عصره، وأبهر الجميع بالبناء الذي ضم إيوانا ضخم يتحدى قوانين الجاذبية في القرن الرابع عشر.

الباب المفقود
كان لمسجد السلطان حسن باب من النحاس، اشتراه السلطان المؤيد لاحقا لشدة إعجابه به، وهو الآن في مسجد "المؤيد شيخ"، وهو أيضا فخر مساجد عصر المماليك الجراكسة.
روح القاهرة في ورقة
حين تخرج المائة جنيه من جيبك، تخيل صوت المؤذن وهو يعلو من مئذنة المسجد الشاهقة، تذكر أنك تحمل رمز لمبنى ظل محتفظا بأسراره أكثر من 600 عام، ووصفه الرحالة "بييترو ديلا فالي" بأنه أروع ما رأت عيناه، ووصفه المستشرقون بأنه فخر العمارة الإسلامية، ووصفه المعاصرون بأنه "الهرم الرابع".
إنه ليس مجرد مسجد، إنه شاهد على عظمة الحضارة الإسلامية، وهيبة القاهرة التي كانت يوما ما منارة العالم في العلم والفن.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







